مجمع البحوث الاسلامية

24

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والانتهاء معا ، فتأمّله . والحسرة : التّلهّف على الشّيء والغمّ به . ( 1 : 531 ) الفخر الرّازيّ : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وفيه قولان : الأوّل : أنّ التّقدير : أنّهم قالوا ذلك الكلام ليجعل اللّه ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، مثل ما يقال : ربّيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ، ومثله قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً القصص : 8 . إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في بيان أنّ ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها : الأوّل : أنّ أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم ، لأنّ أحدهم يعتقد أنّه لو بالغ في منعه عن ذلك السّفر وعن ذلك الغزو لبقي ، فذلك الشّخص إنّما مات أو قتل بسبب أنّ هذا الإنسان قصّر في منعه ، فيعتقد السّامع لهذا الكلام أنّه هو الّذي تسبّب إلى موت ذلك الشّخص العزيز عليه أو قتله ، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شكّ أنّه تزداد حسرته وتلهّفه . أمّا المسلم المعتقد في أنّ الحياة والموت لا يكون إلّا بتقدير اللّه وقضائه ، لم يحصل ألبتّة في قلبه شيء من هذا النّوع من الحسرة ، فثبت أنّ تلك الشّبهة الّتي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلّا زيادة الحسرة . الوجه الثّاني : أنّ المنافقين إذا ألقوا هذه الشّبهة إلى إخوانهم تثبّطوا عن الغزو والجهاد وتخلّفوا عنه ، فإذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو ، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الأعداء والفوز بالأمانيّ ، بقي ذلك المتخلّف عند ذلك في الخيبة والحسرة . الوجه الثّالث : أنّ هذه الحسرة إنّما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأو تخصيص اللّه المجاهدين بمزيد الكرامات وإعلاء الدّرجات ، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللّعن والعقاب . الوجه الرّابع : أنّ المنافقين إذا أوردوا هذه الشّبهة على ضعفة المسلمين ووجدوا منهم قبولا لها ، فرحوا بذلك ، من حيث إنّه راج كيدهم ومكرهم على أولئك الضّعفة ، فاللّه تعالى يقول : إنّه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنّهم كانوا على الباطل ، في تقرير هذه الشّبهة . الوجه الخامس : أنّ جدّهم واجتهادهم في تكثير الشّبهات وإلقاء الضّلالات يعمي قلوبهم ، فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصّدر ، وهو المراد بالحسرة ، كقوله : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً الأنعام : 125 . الوجه السّادس : أنّهم متى ألقوا هذه الشّبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم ، فتحصل الحسرة في قلوبهم . والقول الثّاني في تفسير الآية : أنّ اللّام في قوله : لِيَجْعَلَ اللَّهُ متعلّقة بما دلّ عليه النّهي ، والتّقدير : لا تكونوا مثلهم حتّى يجعل اللّه انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادّتهم ممّا يغيظهم . ( 9 : 55 ) القرطبيّ : يعني ظنّهم وقولهم ، واللّام متعلّقة بقوله : ( قالوا ) ، أي ليجعل ظنّهم لو لم يخرجوا ما قتلوا